أحمد ياسوف
175
دراسات فنيه في القرآن الكريم
الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ [ المائدة : 21 ] ، إن الانقلاب هنا يذكّر بأن الكفر حال مخالفة لنواميس الكون وطبائع الموجودات ، لأن الانقلاب اختلال في التوازن . ونظير التقلب الانقلاب وهو حركة واحدة كما في قوله تعالى : أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً [ آل عمران : 144 ] ، وتعني الآية انتشار خبر موت الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام في غزوة أحد ، وتأنيب الخالق للمؤمنين ، يقول سيد قطب : « وفي التعبير تصوير حي للارتداد ، فهذه الحركة الحسية في الانقلاب تجسم معنى الارتداد عن هذه العقيدة وكأنه منظر مشهود ، والمقصود أصلا ليس حركة الارتداد بالهزيمة في المعركة ولكن حركة الارتداد النفسية » « 1 » . ونضيف أن التنبيه على تجنب الأعقاب ترفّع كبير يطلب من المؤمنين ، فالردة إذن مشهد ساقط يومئ إليه العقب بما يوحي من دلالات متعددة جسمانية وحيوانية ، والإيمان رقي وتحضر ورفعة ، وقد تزامنت قوة الحركة في هذه الصورة مع توالي القافات الشديدة في المفردات الآتية : « قتل ، انقلبتم ، أعقابكم ، ينقلب ، عقبيه » ، ولعل هذا يدل على خشونة الفعل العارض وشدة التوبيخ ، فثمة إطلالة من النغم الصوتي إلى حيثيات الموقف . وكما اختير الإفراغ البطيء للصبر اختير الصب للعذاب وصوره ، قال تعالى : ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ [ الدخان : 48 ] ، وجاء في تفسير الآية : « والمصبوب في الحقيقة إنما هو الحميم وهو الماء الحار ، ولكن جعل المصبوب هنا هو العذاب المضاف إلى الحميم مجازا ، لأن
--> ( 1 ) في ظلال القرآن ، مج 1 : 4 / 486 .